أسدل المدافع الدولي الجزائري عيسى ماندي الستار على مسيرة دولية استثنائية امتدت لأكثر من اثني عشر عامًا، معلنًا اعتزاله اللعب مع المنتخب الوطني، مباشرة عقب نهاية مشوار “الخضر” في نهائيات كأس العالم 2026، ليغادر الساحة الدولية من الباب الكبير بعدما دوّن اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الكرة الجزائرية كأكثر اللاعبين ارتداءً لقميص المنتخب الوطني.
وجاء قرار ماندي بعد ساعات قليلة من خسارة الجزائر أمام سويسرا بهدفين دون رد في الدور الثاني من مونديال 2026، وهي المباراة التي كانت الأخيرة له بقميص “محاربي الصحراء”، لتنتهي معها رحلة حافلة بالإنجازات والذكريات التي ستبقى راسخة في ذاكرة الجماهير الجزائرية.
برحيل عيسى ماندي عن المنتخب الوطني، تطوى صفحة أحد أبرز المدافعين الذين أنجبتهم الكرة الجزائرية في العصر الحديث، وأحد أعمدة الجيل الذهبي الذي أعاد الجزائر إلى منصة التتويجات الإفريقية.
ولم يكن ماندي مجرد مدافع صلب، بل تحول مع مرور السنوات إلى رمز للاستقرار والانضباط والالتزام، حيث حافظ على مكانته الأساسية مع مختلف المدربين الذين تداولوا على قيادة المنتخب، بفضل مستواه الثابت وشخصيته الهادئة داخل وخارج المستطيل الأخضر.
دخل ماندي تاريخ المنتخب الوطني من أوسع أبوابه بعدما أصبح صاحب الرقم القياسي في عدد المشاركات الدولية مع “الخضر”، متجاوزًا جميع أساطير الكرة الجزائرية.
وخلال مشواره الطويل، خاض أكثر من 115 مباراة دولية، سجل خلالها سبعة أهداف رغم أنه يشغل مركز قلب الدفاع، وشارك في مختلف المنافسات الكبرى، بداية من تصفيات كأس العالم وكأس أمم إفريقيا، وصولًا إلى نهائيات المونديال.
بدأ ماندي رحلته الدولية في مارس 2014، بعدما تألق مع نادي ريمس الفرنسي، قبل أن يفرض نفسه بسرعة داخل المنتخب الجزائري.
ومنذ ظهوره الأول، لم يحتج إلى وقت طويل ليصبح أحد الركائز الأساسية للدفاع الجزائري، مستفيدًا من هدوئه الكبير في إخراج الكرة، وقدرته على قراءة اللعب، وتمركزه المثالي.
كما واصل تألقه على مستوى الأندية الأوروبية مع ريال بيتيس الإسباني، ثم فياريال، قبل انتقاله إلى ليل الفرنسي، وهو ما ساعده على الحفاظ على مستواه الدولي لسنوات طويلة.
تبقى بطولة كأس أمم إفريقيا 2019 في مصر أبرز محطة في مسيرة ماندي الدولية.
فقد كان أحد الأعمدة الرئيسية في تشكيلة المدرب جمال بلماضي التي توجت باللقب القاري الثاني في تاريخ الجزائر، بعدما قدم مستويات دفاعية كبيرة إلى جانب جمال بلعمري، وساهم في بناء أحد أقوى خطوط الدفاع في البطولة.
ذلك الإنجاز سيظل أبرز تتويج في مسيرته الدولية، بعدما أعاد الجزائر إلى عرش القارة السمراء لأول مرة منذ عام 1990.
شارك ماندي في أكثر من نسخة لكأس أمم إفريقيا، كما خاض نهائيات كأس العالم في البرازيل 2014، ثم عاد للمشاركة في مونديال 2026، ليكون من بين اللاعبين القلائل الذين مثلوا الجزائر في نسختين من كأس العالم يفصل بينهما 12 عامًا.
ورغم أن نهاية المشوار جاءت بخيبة الإقصاء أمام سويسرا، فإن ذلك لا يقلل إطلاقًا من قيمة المسيرة التي قدمها المدافع المخضرم طوال سنوات عطائه.
لم يكن ماندي من اللاعبين كثيري التصريحات أو الباحثين عن الأضواء، لكنه كان قائدًا حقيقيًا داخل أرضية الميدان.
عرف عنه احترامه الكبير لقميص المنتخب، وانضباطه التكتيكي، وروحه القتالية، كما كان مثالًا للاعب المحترف الذي يضع مصلحة المجموعة فوق كل اعتبار.
ولهذا حظي باحترام الجماهير الجزائرية وزملائه، حتى أصبح مرجعًا للأجيال الجديدة داخل المنتخب.
اعتزال ماندي، بالتزامن مع إعلان القائد رياض محرز نهاية مشواره الدولي، يمثل بداية مرحلة جديدة داخل المنتخب الوطني، الذي سيكون مطالبًا بإعادة بناء فريق قادر على مواصلة المنافسة قارياً وعالمياً بعد رحيل أبرز رموز الجيل الذهبي.
وسيكون الجهاز الفني أمام تحد كبير لإيجاد البديل المناسب لمدافع امتلك خبرة هائلة، وخاض مئات المباريات على أعلى مستوى، وأصبح نموذجًا للاحتراف والاستمرارية.
قد يعتزل اللاعبون، لكن التاريخ لا ينسى أصحاب الإنجازات.
وعيسى ماندي سيبقى واحدًا من أعظم المدافعين الذين حملوا ألوان المنتخب الجزائري، ورمزًا للثبات والوفاء والعطاء، بعدما كتب اسمه في سجل الخالدين كأكثر اللاعبين تمثيلًا لـ”الخضر”، وواحد من صناع أمجاد الكرة الجزائرية في العقد الأخير.
لقد انتهت رحلة اللاعب، لكن إرثه سيظل حاضرًا في ذاكرة كل جزائري عشق المنتخب الوطني، وشاهد ماندي يقاتل بشعار الجزائر في كل الملاعب، حتى صافرة الوداع.
