مصطفى دحلب … أمير “الأمراء”

TRIKI HOUARI
11 Min Read

يعتبر اللاعب مصطفى دحلب، أو “موموس” كما يحلو للفرنسيين واحد من بين أحسن الأسماء التي لعبت للمنتخب الوطني الجزائري خلال مونديال اسبانيا، وهو من بين اللاعبين المغتربين القلائل الذين فضلوا أداء الخدمة الوطنية بالجزائر، لكن بالرغم مما قدمه “موموس” طيلة مساره الكروي، إلا انه عاني ولا يزال يعاني التهميش من طرف ساسة الرياضة ببلادنا.

ترى من هو مصطفى دحلب؟ كيف كانت بدايته مع “الساحرة”؟، ماهي أهم محطاته الكروية؟ متى اعتزل اللعب؟ وماذا بعد اعتزاله الكرة؟ تلكم من بين الأسئلة العديدة التي سنجيبكم عنها عبر هذه النافذة التاريخية.

دحلب ولد قبل اندلاع الثورة التحريرية

ولد مصطفى دحلب في الثامن فيفري 1952، أي قبل اندلاع الثورة التحريرية 28 شهرا تقريبا، وهذا بمدينة بجاية، من عائلة ميسورة الحال، الأب كان عاملا بأحد الشركات الفرنسية.

بداية مصطفى دحلب مع رياضة كرة القدم، كانت كالكثير من الجزائريين عبر الشوارع، وخلالها أبان دحلب في سنواته الأولى من ممارسته لكرة القدم مستوى فني  كبير، حيث كان يجيد لعب الكرة على شاكلة اللاعبين الكبار.

قبل استقلال الجزائر بسنة واحدة، انتقلت عائلة مصطفى دحلب إلى فرنسا،  واستقر بها المقام بمدينة سودن، وفور انتقال عائلة إلى مدينة سودان، راح الفتى مصطفى يمارس هوايته المفضلة رياضة كرة القدم، الأمر الذي أدهش أبناء حييه، بفنياته الرائعة، فكان من البديهي أن تصل سمعة مصطفى دحلب مدرب الفئات الصغرى بنادي سودان، حيث طلب منه الانضمام لمدرسة الفريق وعمره لم يكن يتجاوز الثانية عشر.

من مدينة بجاية إلى نادي سودان

الانطلاقة الحقيقية لمصطفى دحلب مع كرة القدم كانت بنادي مدرسة سودان الفرنسية وعمره لم يكن يتجاوز الثانية عشر، ولم يخيب الصغير مصطفى ظن مدربه، فنال الاحترام والتقدير من طرف الجميع، فقد تنبآ له الجميع بمستقبل زاهر في كرة القدم، وهو الذي تحقق فيما بعد.

لعب مصطفى دحلب لجميع الأصناف الشبانية لفريق نادي سودان الفرنسية، وخلالها أبدع، دفع بمدرب المنتخب الفرنسي للأشبال باستدعائه، لكن والد مصطفى دحلب رفض ذلك، ولم ييأس الاتحاد الفرنسي من رفض والده، فاستدعاه ثانية لمنتخب الأواسط، لكن إصرار الوالد، جعله معرضا للطرد من الشركة التي كان يزاول فيها عمله، الأمر الذي دفع برئيس نادي سودان التدخل  شخصيا والتوسط بينه وبين مدير الشركة التي كان يزاول فيها عمله لتلطيف الأجواء.

في سنة 1969، تم ترقية مصطفى دحلب إلى أكابر نادي سودان ، وهو في سن السابعة عشر.

رفض اللعب لاولمبيك مارسيليا من اجل أداء الخدمة الوطنية                   

فأجا مصطفى دحلب الجميع في سنة 1971 بما في ذلك الجزائريين، باستجابته لنداء الوطن  بأداء الخدمة الوطنية، وهو الذي كان محل إعجاب العديد من الأندية الجزائرية منها اولمبيك مارسيليا، حيث طلب خدماته مقابل مبلغ مالي مغر، وفي الوقت الذي أبدت فيه إدارة ناديه سودان موافقته لانتقال دحلب إلى فريق الجنوب الفرنسي نادي اولمبيك مارسيليا الا أن دحلب قال لا، الأولوية ليس اللعب لنادي مارسيليا بل أدائي الخدمة الوطنية.

لعل الكثير قد يتساءل لماذا اختار مصطفى دحلب اللعب لفريق شباب بلوزداد دون غيره من الأندية الجزائرية في تلك الفترة، وفي مقدمتها فريق مولودية الجزائر، يجيب دحلب في حوار:”والدي هو الذي اختار لي هذا الفريق، فلم أعارض طلبه، كونه كان معجبا بفريق الشباب، كيف لا وهو الذي كان يضم في تلك الفترة أحسن الأسماء الوطنية، يتقدمهم الأسطورة حسن لالماس”.

سنتان في شباب بلوزداد

دام بقاء مصطفى دحلب في الجزائر سنتين كاملتين، وهي الفترة المحددة لأداء الخدمة الوطنية في تلك الفترة، وبالرغم من الأسماء الرنانة التي كانت تزخر بها تشكيلة الشباب نذكر منهم، مختار كالام وحسن لالماس وعاشور الا انه لم ينل أي لقب وطني مع الشباب، وتمنى مصطفى دحلب قبل إنهائه الخدمة الوطنية ان يتوج ولو بلقب واحد بألوان الشباب لكن، الحظ خانه.

لكن حتى وان لم ينل دحلب أي لقب مع الشباب، الا انه لا يزال يصف الفترة التي لعب فيها لفريق الشباب من بين أحسن الفترة في حياته الكروية، بقوله:” يكفيني شرفا أنني لعبت في عز شباب لفريق شباب بلوزداد”.

العودة إلى نادي سودان فباريس سام جرمان

بعد إنهائه فترة الخدمة الوطنية التي دامت سنتين من 1972 إلى 1974، عاد من جديد مصطفى دحلب إلى نادي سودان الفرنسي، ولعب له موسم واحد، لينتقل بعدها إلى فريق باريس سان جرمان، مقابل مليوني فرك فرنسي، وهو مبلغ كبير في تلك الفترة.

دام بقاء مصطفى دحلب في النادي الباريسي عشر سنوات كاملة،  صنع من خلالها مجد باريس سان جرمان، ولا يزال الباريسيون يتذكرون لمحاته الكروية إلى حد اللحظة.

لعب دحلب في الموسم الأول مع نادي باريس سان جرمان (1974/1975 29 مباراة، سجل 13 هدفا، وفي الموسم الموالي 1975/1976، لعب دحلب 32 مباراة سجل 12 هدفا، وفي الموسم الثالث 1976/1977، لعب دحلب 38 مباراة سجل 22 هدفا، وهو الموسم الذي اختير فيه أحسن لاعب في الدور بالفرنسي.

وفي موسم 1977/1978 لعب دحلب 26 مباراة سجل تسعة أهداف فقط، وفي موسم 1978/1979، لعب دحلب 21 مباراة سجل ستة أهداف، وفي الموسم الموالي 1979/1980، لعب دحلب 27 مباراة سجل ستة أهداف، وفي موسم 1980/1981، لعب دحلب 20 مباراة سجل ستة أهداف، وفي موسم 1981/1982، لعب دحلب 22 مباراة سجل ثمانية أهداف، وفي موسم 1982/1983، لعب دحلب 29 مباراة سجل سبعة أهداف، وفي الموسم الأخير له مع الفريق الباريسي 1983/1984، لعب دحلب 22 مباراة سجل أربعة أهداف حينها كان يبلغ دحلب 32 سنة، فقرر ترك النادي الباريسي والانتقال إلى نادي نيس الفرنسي.

قاد نادي نيس إلى الدرجة الأولى فاعتزل

في جوان 1984، وبعد قضائه 10 سنوات كاملة في “البي أس جي”، غادر “موموس” أجواء “البارك دو بر نس” نحو فريق نيس، فكان فال خير عليه بإعادته إلى دوري الأضواء بتسجيله 14 هدفا من بين 26 مقابلة لعبها، ويبقى الهدف الذي سجله في آخر جولة أمام نادي رامس أحسن ما سجل فريق نيس، وهو الهدف الذي قاده إلى الدوري الفرنسي الممتاز، ليعلن بعدها مصطفى دحلب اعتزاله الكرة نهائيا، رافضا العديد من العروض التي توصل بها بعد أن قضى 16 سنة فوق الملاعب، منها 14 سنة كلاعب محترف وسنتين في فريق شباب بلوزداد.

الفرنسيون أسموه “موموس”

في مطلع سنة 2015، أصدرت مجلة فرانس فوتبول الفرنسية، تقريرا مطولا تناولت فيه ابرز وأفضل اللاعبين الأجانب الذين لعبوا في الدوري الفرنسي على مدار التاريخ، وضمت القائمة اسم لاعب عربي وحيد، و يتعلق الأمر بالظاهرة الكروية مصطفى دحلب، و حل في المركز ال39 من الترتيب بفضل ما قدمه لناديه حيث ساهم بشكل كبير في نيله لقبين يظلان من أغلى الألقاب عند الجمهور كاس فرنسا عامي 1982 و 1983 ، كما قدم خلال 267 مباراة التي خاضها بالدوري الفرنسي، أداء لافتا بفضل يسراه الساحرة ومراوغاته المتميزة وأهدافه الرائعة التي بلغت 84 هدفا .

كان دحلب يلهم جمهور ملعب حديقة الأمراء بباريس بلمساته السحرية التي لا تزال ذاكرة محبي البي اس جي تحتفظ بها رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود من اعتزاله الكرة و بأهدافه الغزيرة و التي جعلت منه ثالث هداف في تاريخ النادي بعد السويدي ابراهيموفيتش والبرتغالي باوليتا و الفرنسي دومنيك روشتو بتسجيله 98 هدفا رغم انه ليس مهاجما صريحا.

مسيرة دحلب مع “الخضر”

خلال أداء موموس الخدمة الوطنية في الجزائر و لعبه للمنتخب العسكري جلب انتباه المدرب رشيد مخلوفي الذي ابهر بفنيات هذا اللاعب حيث وجه له اول استدعاء للخضر في12 مارس 1972 أمام المنتخب الغيني في ملعب 5 جويلية  تحت قيادة نفس المدرب.

بعدها شارك دحلب في كاس العرب بليبيا سنة 1973 تحت قيادة المدرب سعيد عمارة، وإلى غاية تاريخ الـ 28 فيفري 1977 لم يستدع دحلب إلى المنتخب الوطني بسبب القوانين التي كانت مطبقة آنذاك بعدم استدعاء اللاعبين المحترفين إلى منتخباتهم، لكن فور رفع هذا القانون وجد دحلب نفسه يواجه المنتخب التونسي بملعب 05 جويلية برسم إقصائيات كأس العالم التي جرت في السنة الموالية بالأرجنتين·

لكن فرحة دحلب بعودته إلى المنتخب الوطني لم تكن كما تمناها، إثر التعادل المخيب للآمال الذي فرضه المنتخب التونسي بالجزائر على “الخضر” بهدف لمثله، انتظر بعدها دحلب أربع سنوات تقريبا ليحمل الألوان الوطنية، كان ذلك في الفاتح من شهر ماي بملعب قسنطينة 1981، برسم الدور الثاني من إقصائيات كأس العالم التي جرت بإسبانيا في العام الموالي، فأمام 40 ألف متفرج تمكن دحلب من هز شباك منتخب النيجر برباعية نظيفة، كانت كافية ليتأهل منتخبنا الوطني إلى الدور الموالي، وستبقى المباراة التاريخية التي خاضها منتخبنا الوطني يوم الـ 16 جوان 1982 بملعب خيخون أمام ألمانيا أحسن ما لعب دحلب في مسيرته الكروية، حيث قدم مباراة في القمة نال على إثرها كل التقدير والثناء من طرف الجمهور الرياضي الجزائري، وبعد مونديال اسبانيا1982 اختفى اسم مصطفى وإلى الأبد من المنتخب الوطني، لكن ما قدمه في مونديال إسبانيا لم يمح ولن يضمحل من ذاكرة الكرة الجزائرية ·

حمل مصطفى دحلب ألوان المنتخب الوطني 21 مباراة، سجل خمسة أهداف فقط.

الاعتزال فالنسيان …      

كما سبق الذكر، اعتزل دحلب اللعب عام 1985، لكنه بقي وفيا للجزائر بزيارته لها ومشاركته في لقاءات اعتزال الكثير من اللاعبين الجزائريين، كما يشارك في العديد من المباريات الخيرية.

لكن الذي يجب قوله، ان “موموس” لم ينل حقه بأرض وطنه من طرف من أسندت له تسيير الرياضة ببلادنا، وهو الذي تم تكريمه عام 2005 في باريس بوسام فارس جوقة الشرف الفرنسي.

وفي الختام نقول ان الذين نسوا دحلب الرجل المتواضع الذي يأخذ أول طائرة إلى الجزائر إذا سمع عن مباراة خيرية، حرم حتى من دعوة لحضور مباريات الخضر، فإن باريس سان جرمان خصصت له مقعد باسمه في كل مقابلة… لكن الكبار يبقون كبار رغم انف الأقزام.

آسف ان قصرت في حق لاعب كان ولا يزال في نظر عشاق الفريق الباريسي سان جرمان واحد من بين احسن الأسماء التي دافعت عن ألوان فريقها على ممر التاريخ فأطال الله في عمر لاعبنا الكبير مصطفى دحلب، فالكبار يعرفون إلا الكبار، والأقزام لا تعرف إلا الأقزام.

Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *